من فترة إلى أخرى يعود تاريخ واحد إلى المشهد السياسي المصري:
11/11
دعوات إلى التظاهر تبدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، شعارات ثورية تتحدث عن الغلاء والفقر والغضب الشعبي، شخصيات موجودة خارج مصر تتصدر المشهد، ثم استنفار أمني واسع في الداخل وعمليات قبض وتحقيق.
وفي النهاية يأتي اليوم الموعود، فلا تقع «الثورة» التي بشرت بها الحملات.
لكن الدعوة لا تنتهي بلا ثمن.
وراءها مواطنون قُبض عليهم، وأسر دخلت دائرة الأزمة، وأشخاص واجهوا التحقيق والحبس بسبب فيديو أو منشور أو اتهام بالمشاركة في التحضير للتظاهر.
أما الشخصيات الموجودة خارج مصر والتي تصدرت الدعوات، فتأخذ قصصها مسارات مختلفة.
بدأ أحد أشهر فصول الحكاية عام 2016 مع ياسر عبد الحفيظ، المعروف باسم ياسر العمدة، و«ثورة الغلابة».الذي كان مقيم في تركيا وتم طرده لأسباب غير معلومة لدينا وانتقل للعمل في سلطنة عمان

وبعد ست سنوات عاد 11/11 في 2022، وكان الإعلامي حسام الغمري من أبرز الأصوات المرتبطة بالدعوة الجديدة.
للوهلة الأولى تبدو القصتان منفصلتين.

لكن عندما بدأنا تتبع الأسماء والتواريخ والعلاقات والوثائق، ظهرت أمامنا أسئلة أكبر بكثير من مجرد فشل دعوتين للتظاهر.
من أين تبدأ الدعوات فعلًا؟
من يختار الوجوه التي تتصدرها؟
من يوفر لها المظلة الإعلامية والسياسية؟
من يمول من؟
والأهم: من يدفع الثمن في النهاية؟قبل أن نبدأ..
خلال العمل على الملف، أُتيحت لنا مجموعة من الوثائق والمواد التي اطلعنا عليها بصورة مباشرة.
تتضمن هذه المواد، بحسب محتواها، أسماء وشخصيات، ومعلومات عن علاقات واتصالات وتحركات، إضافة إلى بيانات مالية وسياسية وأمنية.
كما حصلنا على معلومات من مصادر تحدثت إلينا بشأن أجزاء من الشبكة التي نحاول تتبعها.
وقارنّا، حيث أمكن، ما ورد في هذه المواد بالتواريخ والوقائع والمعلومات المنشورة في المصادر المفتوحة.
لكننا نضع قاعدة واضحة أمام القارئ منذ البداية:
ورود معلومة في وثيقة لا يحولها تلقائيًا إلى حقيقة مثبتة.
لذلك نفرق طوال هذا التحقيق بين ما تمكنا من توثيقه بصورة مستقلة، وما تنسبه الوثائق إلى أشخاص أو جهات، وما تقوله مصادرنا، وما يمثل فرضية استقصائية تحتاج إلى المزيد من الإثبات.
كما أن من حق جميع الأشخاص والجهات الواردة أسماؤهم في التحقيق الرد على ما نُسب إليهم.
الخيط الذي يقود إلى الإمارات
خلال تتبعنا لقصة 11/11، ظهر أمامنا اسم لم يكن متوقعًا في البداية:

محمد دحلان القيادي الفلسطيني الذي ارتبط اسمه على مدار سنوات بالإمارات ودوائر صناعة القرار فيها.
لكن ما علاقة دحلان بدعوات للتظاهر في مصر؟
هذا هو السؤال.
الوثائق والمعلومات التي اطلعنا عليها تطرح فرضية وجود شبكة علاقات ونفوذ تضم شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية من أكثر من دولة، وتضع الإمارات في موقع يستحق التحقيق.
لكن لفهم الصورة يجب العودة إلى عام 2011.
يناير غيّرت قواعد اللعبة
كانت ثورة 25 يناير صدمة سياسية وأمنية للمنطقة بأكملها.
نظام استمر ثلاثين عامًا انهار خلال أسابيع.
وأجهزة ودول بنت سياساتها لسنوات على استقرار نظام الرئيس حسني مبارك وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد.
ثم جاءت أحداث 30 يونيو 2013، وما أعقبها من عزل الرئيس محمد مرسي وصعود عبد الفتاح السيسي.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت الإمارات واحدة من أبرز حلفاء السلطة المصرية الجديدة.
قدمت دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا للقاهرة.
لكن الوثائق التي اطلعنا عليها تطرح سؤالًا آخر:
هل كانت أبوظبي تراهن على السلطة وحدها؟
أم أنها سعت بالتوازي إلى بناء قنوات داخل دوائر المعارضة المصرية أيضًا؟
إذا صحت هذه الفرضية، فنحن أمام استراتيجية تقوم على امتلاك أوراق في الاتجاهين:
مع النظام… وداخل دوائر خصومه في الوقت نفسه.
ليس بالضرورة بهدف إسقاط النظام، وإنما لضمان القدرة على التأثير أيًا كان اتجاه الأحداث مستقبلًا.
ضباط أمن الدولة السابقون.. ماذا حملوا معهم؟
بعد ثورة يناير وحل جهاز مباحث أمن الدولة، ظهرت تقارير صحفية مصرية تحدثت عن انتقال ضباط سابقين في الجهاز للعمل في الإمارات.
وتحدثت تقارير آنذاك عن مطالب داخل مجلس الشورى المصري بفتح ملف ضباط برتب مرتفعة قيل إنهم انتقلوا للعمل مستشارين أمنيين في دبي.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد وظيفة جديدة.
الضابط الذي أمضى سنوات داخل جهاز أمني شديد الحساسية يحمل معه معرفة تراكمية ضخمة.
يعرف التنظيمات.
والشخصيات.
والملفات.
وشبكات العلاقات.
وطرق عمل الأجهزة.
وقد يمتلك معرفة بتفاصيل أمنية وسياسية شديدة الحساسية.
ومن هنا يظهر السؤال:
ما الذي انتقل مع هؤلاء الضباط إلى الإمارات؟
أسماء داخل الوثائق
ضمن المواد التي أُتيحت لنا ظهرت أسماء شخصيات أمنية مصرية سابقة، من بينها أسماء مرتبطة في هذه المواد بـ طارق المصري وعبد الحميد خيرت.


وتتضمن المعلومات التي وصلتنا مزاعم عن علاقات مع جهات إماراتية وعن تداول معلومات تتعلق بالوضع المصري.
وجود تلك المعلومات داخل المواد التي نحقق فيها يفرض أسئلة:
ما طبيعة عمل هؤلاء الأشخاص بعد خروجهم من المؤسسات المصرية؟
هل عملوا فعلًا لصالح جهات إماراتية؟
وإذا حدث ذلك، فما طبيعة المعلومات التي كانت بحوزتهم؟
وهل انتقلت معلومات تتعلق بملفات مصرية إلى أطراف خارجية؟
عبد الرحيم علي.. حلقة الاتصال؟

عند هذه النقطة يظهر اسم الإعلامي والباحث والسياسي المصري عبد الرحيم علي.
أسس علي «البوابة نيوز» ومراكز بحثية، وارتبط اسمه لسنوات بملفات جماعات الإسلام السياسي.
وتشير المواد التي اطلعنا عليها إلى علاقات بين شخصيات أمنية مصرية سابقة ودوائر إماراتية، ويظهر اسم عبد الرحيم علي داخل أجزاء من هذا المسار.
كما تتضمن المعلومات التي وصلت إلينا مزاعم عن قيامه بدور في التواصل بين بعض هذه الأطراف.
لكننا نتوقف هنا أمام فارق جوهري:
العلاقة السياسية أو البحثية بالإمارات شيء، والقيام بدور استخباري أو نقل معلومات سرية شيء آخر تمامًا.
والثاني يحتاج إلى أدلة مستقلة وقوية قبل اعتباره حقيقة.
لذلك نتعامل مع هذا الجزء بوصفه مسارًا للتحقيق، لا حكمًا نهائيًا على أي شخص.
200 مليون دولار.. وثيقة تحتاج إلى إجابات
ومن أخطر المواد التي اطلعنا عليها مستندات تتضمن معلومات عن مبلغ يصل إلى:
200 مليون دولار
وتربط المواد التي بين أيدينا العملية ببنك أبوظبي الوطني فرع طلعت حرب في القاهرة.
لكن الرقم وحده لا يثبت شيئًا.
السؤال ليس:
كم يبلغ المبلغ؟
بل:
من أرسله؟
إلى من؟
متى؟
لماذا؟
ومن كان المستفيد النهائي؟
من السلطة إلى المعارضة
إذا كان جزء من الشبكة المفترضة مرتبطًا بالحصول على معلومات من داخل المؤسسات المصرية أو من شخصيات سبق لها العمل فيها، فإن النصف الآخر من القصة يتعلق بالمعارضة.
وهنا بدأنا نبحث:
من كان يملك النفوذ داخل المعارضة المصرية في الخارج؟
من كان يملك القنوات؟
من يستطيع تقديم شخصية إلى الجمهور؟
ومن يستطيع أن يحتضن دعوة دون أن يظهر صاحبًا مباشرًا لها؟
وهنا يظهر اسم:
أيمن نور
تحت أسم «الصقر» في ملفات مباحث أمن الدولة الإماراتية
أيمن نور واحد من أبرز السياسيين المصريين المعارضين، وأحد أهم الشخصيات التي لعبت دورًا في المشهد الإعلامي للمعارضة المصرية الموجودة في تركيا.
وخلال فحص المواد التي أُتيحت لنا ظهر اسم حركي: «الصقر» وتشير الوثائق التي اطلعنا عليها إلى ربط هذا الاسم بملف يتعلق بأيمن نور.
لكن الأهم مما ورد فيها ليس الاسم الحركي.بل الدور الذي تنسبه هذه المواد إلى أصحاب الملف في التعامل معه.
فبحسب ما ورد في الوثائق، كانت هناك رغبة في أن يقوم نور باحتضان بعض دعوات التحرك أو توفير مظلة سياسية وإعلامية لها بصورة غير مباشرة.أي ألا يظهر بالضرورة باعتباره صاحب الدعوة.بل أن تبقى الواجهة لشخصيات أخرى.
أموال وحساب في سويسرا؟
هنا تصل الوثائق إلى الجزء الأكثر حساسية.
إذ تتضمن المواد التي اطلعنا عليها وثيقة تفيد تحويل مبالغ مالية إلى حساب مصرفي في سويسرا مرتبط بأيمن نور.
هذه المعلومة شديدة الأهمية. والأهم منها الغرض من الأموال.
فوجود تحويل مالي، حتى لو ثبت، لا يثبت وحده أنه مقابل نشاط سياسي أو إعلامي.
ولهذا نعرض الوثيقة للقارئ بعد حجب البيانات المصرفية الحساسة، مع التمييز بين ما يظهر فيها وما تنسبه إليها المصادر.
وهنا يظهر السؤال:
لماذا كان مطلوبًا -وفق ما تنسبه الوثائق- أن يكون احتضان الدعوات غير مباشر؟
وهنا نعود إلى ياسر العمدة
عام 2016 ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي حركة أطلقت على نفسها:
«حركة الغلابة»
وبرز اسم ياسر عبد الحفيظ، المعروف بياسر العمدة، باعتباره منسق الحركة وأحد أبرز الداعين إلى التظاهر في:
11/11/2016
قدم العمدة نفسه باعتباره غير تابع لفصيل سياسي بعينه.
واستخدمت الدعوة خطابًا يعتمد بصورة كبيرة على الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار والفقر والغضب الاجتماعي.
انتشرت الحملة.
وتحول 11/11 إلى حدث سياسي وأمني كبير قبل أن يحدث أصلًا.
الدولة تستعد
مع اقتراب الموعد، رفعت الأجهزة الأمنية المصرية استعداداتها. انتشرت القوات في القاهرة ومدن أخرى.
وأُغلقت محطة مترو السادات المؤدية إلى ميدان التحرير.كما تحدثت تقارير عن عمليات قبض مرتبطة بالدعوة.
وصدرت تحذيرات رسمية من المشاركة.حتى المساجد دخلت دائرة الإجراءات الاستثنائية، مع تعليمات بإغلاقها بعد الصلاة لمنع استخدامها كنقاط تجمع.ثم جاء 11 نوفمبر.لكن الحشود التي وعدت بها الدعوة لم تظهر.
مرت «ثورة الغلابة».
وبقيت الأسئلة.
2017.. الموعد يتكرر
لم تنتهِ قصة ياسر العمدة في 2016.
عاد نشاطه مرة أخرى، وظل تاريخ 11/11 حاضرًا ضمن الدعوات التي ارتبطت بالحركة.
ومرة أخرى كان هناك نشاط إلكتروني أكبر بكثير من الحضور على الأرض.
لكن التداعيات الأمنية استمرت.
2018.. الاعتقالات تصل إلى أسرته
في أكتوبر 2018 تحدث ياسر العمدة وتقارير نقلت عنه عن القبض على:
زوجته وسبعة من أقاربه
من محافظة الفيوم.
وقال العمدة وقتها إن أفراد أسرته لا يمارسون نشاطًا سياسيًا، واعتبر ما حدث محاولة للضغط عليه بسبب نشاطه الموجود خارج مصر.
هنا أصبحت المفارقة أكثر وضوحًا:
صاحب الدعوة في الخارج، وأسرته في الداخل تدفع جزءًا من الثمن.
2019.. «اللهم ثورة»
بعد ذلك ظهر تحرك آخر تحت اسم: «اللهم ثورة»
وفي يناير 2019 أعلنت وزارة الداخلية المصرية الكشف عن كيان يحمل هذا الاسم.
وربطت الرواية الرسمية ياسر العمدة الموجود في تركيا بالتحرك.
وأعلنت القبض على:
54 شخصًا
ثم ظهرت تقارير عن حبس متهمين على ذمة القضية.
مرة أخرى نجد النمط نفسه:
الدعوة أو القيادة في الخارج.
والقبض في الداخل.
ثم يتراجع ياسر العمدة
مع تغير العلاقات المصرية التركية، بدأت أنقرة تفرض قيودًا متزايدة على نشاط المعارضة المصرية الموجود على أراضيها.
وفي 2022 نُقلت عن ياسر العمدة تصريحات تحدث فيها عن تلقي تحذيرات تركية بخصوص نشاطه السياسي والإعلامي الموجه إلى مصر.
ثم تراجع حضوره بصورة ملحوظة.
ولا نملك ما يسمح بالقول إنه تعرض لـ«اختفاء» أمني.
لكن ما يمكن رصده هو:
أن ياسر العمدة اختفى تدريجيًا من واجهة المشهد السياسي والإعلامي الذي كان يحتله لسنوات.
انتهى تقريبًا فصل ياسر العمدة.
لكن تاريخ 11/11 عاد.
2022.. حسام الغمري

ست سنوات بعد «ثورة الغلابة».مصر تواجه أزمة اقتصادية.الأسعار ترتفع.والبلاد تستعد لاستضافة مؤتمر المناخ COP27.
وفجأة يعود التاريخ:11/11 دعوات جديدة للنزول إلى الشارع.
وكان الإعلامي حسام الغمري من أبرز الأصوات التي ارتبطت بالترويج للدعوة من الخارج.
بدأ مواطنون في تسجيل فيديوهات يتحدثون فيها عن الأسعار والأوضاع الاقتصادية.وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض هذه المواد أُرسلت إلى حسام الغمري. ثم بدأت عمليات القبض.
65 شخصًا في أيام
وثقت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان حبس 65 شخصًا على الأقل من محافظات مختلفة خلال الفترة من 25 إلى 30 أكتوبر 2022 على خلفية دعوات 11/11.
وبحسب الرصد الحقوقي، شملت القضايا اتهامات من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن الأرقام لم تتوقف هنا.
138 على الأقل
خلال الأيام التالية تحدثت منظمات حقوقية عن ارتفاع أعداد المقبوض عليهم والمعروضين على نيابة أمن الدولة.
وأشارت عمليات رصد إلى 138 مواطنًا على الأقل خلال الفترة من 25 أكتوبر وحتى مطلع نوفمبر.
وتحدثت تقارير أخرى عن أعداد أكبر من الأشخاص الذين تعرضوا للتوقيف أو الاستيقاف وتفتيش هواتفهم.
بعضهم لم يكن قياديًا سياسيًا.
ولم يكن مذيعًا.
ولم يكن يعيش خارج مصر.
بعض الحالات، وفق التقارير الحقوقية، ارتبطت بمنشور أو فيديو أو تفاعل مع الدعوة.
يوسف الغمري
وفي 25 أكتوبر وصلت التداعيات إلى منزل حسام الغمري نفسه.
ألقت السلطات القبض على نجله:

يوسف حسام الغمري
وأثارت الواقعة مطالبات حقوقية بالكشف عن مكانه ووضعه القانوني.
وفي الوقت نفسه ظل الأب خارج البلاد.
ثم حدث تطور آخر.
توقيف حسام الغمري في تركيا
تعرض حسام الغمري للتوقيف في تركيا خلال الفترة نفسها.
كان ذلك في وقت أصبحت فيه أنقرة أكثر تشددًا تجاه النشاط السياسي والإعلامي المصري المعارض الموجه من أراضيها إلى القاهرة.ثم أُطلق سراحه.وجاء 11 نوفمبر.ومرة أخرى:
لم يحدث الحشد الذي بشرت به الدعوات.
لكن قصة حسام الغمري أخذت بعد ذلك اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
سبتمبر 2023.. المفاجأة
بعد أقل من عام على أحداث 11/11، نُشر قرار برفع اسم حسام الغمري من قائمة الإرهابيين.
ثم في:25 سبتمبر 2023 أعلن حسام الغمري عودته إلى مصر.وشكر علنًا من ساهموا في فتح الطريق أمام عودته.
وبعد العودة ظهر في الإعلام المصري وتغير خطابه السياسي بصورة واضحة مقارنة بمرحلة وجوده في الخارج.
وهنا لا نعترض على حق أي مصري في العودة إلى بلاده.
بل السؤال هو:
كيف حدثت العودة؟
ما الذي جرى بين 11/11 في 2022 وسبتمبر 2023؟
هل أنتهي دور حسام إلي هنا ؟
هل الإمارات هي من أقنعت القاهرة بعودة الغمري ؟
ومن هم الأشخاص الذين شكرهم الغمري على فتح «بوابة العودة» ؟
والمفارقة الأصعب
بينما عاد أحد أبرز الأصوات التي ارتبط اسمها بدعوات 11/11 إلى مصر، كانت الدعوة نفسها قد تركت وراءها عشرات القضايا والمقبوض عليهم.
وهنا يصبح السؤال أخلاقيًا وسياسيًا قبل أن يكون أمنيًا:
إذا كان باب التسوية والعودة يمكن أن يُفتح لشخصية إعلامية معارضة، فلماذا لا يُفتح لآخرين؟
ولماذا يتحمل المواطن الموجود في الداخل الثمن الأكبر؟
هل هناك غرفة واحدة تحرك الجميع؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نكون عندها شديدي الدقة.


حتى الآن، لا تكفي الوقائع المنشورة وحدها لإثبات أن الإمارات أو محمد دحلان أو أيمن نور أو أي جهة أمنية كانت تدير دعوات ياسر العمدة أو حسام الغمري.
كما أنها لا تثبت أن الرجلين كانا جزءًا من عملية مخططة.
لكن الوثائق التي أُتيحت لنا هي التي فتحت هذا المسار من الأسئلة.
ولكي تتحول الفرضية إلى حقيقة، نحتاج إلى الحلقة التي تربط:

فرضية «الدخان»
هناك أسلوب معروف في العمل الأمني يقوم على عدم استهداف الشخص وحده، وإنما محاولة كشف الشبكة المحيطة به.
من يتواصل؟
من يستجيب؟
من يمول؟
من يتحرك؟
ومن يعلن استعداده؟
ومن هنا تظهر فرضية هذا التحقيق:
هل كان 11/11 «دخانًا لإخراج الفئران من الجحور»؟
بمعنى آخر: ماذا لو لم يكن نجاح المظاهرات هو الهدف الوحيد لبعض الأطراف التي دفعت باتجاهها؟
فمجرد الدعوة يمكن أن تجعل أشخاصًا غير معروفين سابقًا يظهرون بأنفسهم.
مواطن يسجل فيديو.
آخر يتواصل مع صفحة.
ثالث يرسل معلوماته.
رابع يعرض تنظيم مجموعة.
خامس يعلن أنه سيشارك.
وفجأة تصبح شبكة غير مرئية قابلة للرصد.
هذه فرضية وليست نتيجة مثبتة.
لكن ما يجعلها تستحق التحقيق هو تكرار السؤال نفسه:
لماذا تنتهي الدعوات بالفشل بينما تنجح في شيء آخر تمامًا: كشف أعداد من الأشخاص المستعدين للتفاعل معها؟
ثم يعود السؤال إلى الإمارات
إذا أثبتت الوثائق أن أبوظبي امتلكت علاقات داخل دوائر أمنية مصرية سابقة، وفي الوقت نفسه حاولت بناء نفوذ داخل المعارضة الموجودة بالخارج، فنحن لا نكون أمام قصة 11/11 فقط.بل أمام نموذج أكثر تعقيدًا<< ستحدث عنها في تقرير مفصل لاحقاً >>
دعم النظام.. وامتلاك أوراق داخل معارضيه.
وفي هذه الحالة يصبح محمد دحلان، والعلاقات الإماراتية، والضباط السابقون، وعبد الرحيم علي، وملف «الصقر»، والتحويلات المالية المزعومة، أجزاء من شبكة واحدة تحتاج إلى إثبات كل رابط فيها على حدة.
لا يكفي أن تكون الأسماء موجودة في الملف نفسه.
يجب أن تثبت العلاقة بينها.
أسئلة نوجهها لأيمن نور
قبل نشر ما يتعلق بالوثائق المالية، من حق أيمن نور الإجابة عن أسئلة واضحة:
هل امتلك أو يمتلك حسابًا مصرفيًا في سويسرا بالمواصفات الواردة في الوثائق ؟
هل تلقى التحويلات المشار إليها؟
إذا كانت قد حدثت، فمن أرسلها؟
وما الغرض منها؟
هل طُلب منه احتضان أو دعم دعوات احتجاج داخل مصر بصورة سياسية أو إعلامية غير مباشرة؟
هل يعرف الاسم الحركي «الصقر» الوارد في المواد التي اطلعنا عليها؟
وما طبيعة علاقته بالأطراف الأخرى الواردة أسماؤها في الوثائق؟
سيتم نشر رده كاملًا أو مضمونه بصورة أمينة، وإذا لم يرد بعد منحه مهلة مناسبة فسيتم إثبات أننا تواصلنا معه ولم نتلق ردًا حتى موعد النشر في حال عدم الرد سننشر الوثائق كامله
وأسئلة لعبد الرحيم علي
ما طبيعة علاقته بالمؤسسات والشخصيات الإماراتية التي تظهر في المواد محل التحقيق؟
هل توسط في انتقال أو عمل ضباط أمن مصريين سابقين في الإمارات؟
هل تلقى هو أو مؤسسات مرتبطة به تمويلًا إماراتيًا؟
وإذا كان الجواب نعم، فما قيمته وغرضه؟
الخلاصة.. من دفع الثمن؟
بعد سنوات من أول 11/11، يمكننا أن نضع أمامنا مشهدًا يحتاج إلى إجابات.
ياسر العمدة دعا إلى «ثورة الغلابة».
فشلت في إنتاج الحشد المعلن.
قُبض لاحقًا على زوجته وأفراد من أسرته.
ثم ظهر «اللهم ثورة» وأعلنت السلطات القبض على عشرات الأشخاص.
وبمرور الوقت تراجع العمدة من المشهد.
بعد ست سنوات ظهر حسام الغمري في سياق 11/11 الجديدة.
انتشرت الفيديوهات.
وقعت اعتقالات واسعة.
قُبض على نجله.
توقفت الدعوة دون الحشد المتوقع.
ثم، بعد أقل من عام، عاد الغمري إلى مصر.
وبين القصتين تظهر أمامنا وثائق وأسماء وأموال وشبكات علاقات لم ننتهِ بعد من تفكيكها.
ولهذا ربما يكون السؤال الخطأ:
لماذا فشلت 11/11؟
والسؤال الصحيح:
ماذا نجحت 11/11 في تحقيقه؟
هل كانت محاولة ثورية فاشلة؟
هل كانت صراعًا بين أطراف المعارضة؟
هل استخدمتها قوى إقليمية كورقة ضغط؟
أم تحولت -بقصد أو دون قصد- إلى وسيلة لكشف شبكات الغاضبين والمعارضين في الداخل؟
لا نقدم الإجابة قبل اكتمال الأدلة.
لكن هناك حقيقة إنسانية يصعب تجاهلها:
الدعوة تنتهي في ساعات… أما ثمنها فقد يدفعه أشخاص لسنوات.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يلاحق كل من دعا، ومول، وروج، واحتضن، وراقب:
من أطلق 11/11؟
ومن استفاد منها؟
ومن دفع الثمن؟
يتبع…


