محمد البشاري والمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة ومجموعة تريندز وملف الإخوان المسلمين

محمد البشاري وملف الإخوان.. ماذا تكشف الوثائق عن شبكة العلاقات؟

من مواجهة نفوذ الإخوان إلى العلاقات داخل دوائر الجماعة.. ماذا تكشف الوثائق؟

لم تعد المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين خلال السنوات الأخيرة مقتصرة على القرارات السياسية والأمنية أو المواجهة الإعلامية المباشرة. وبالتوازي مع ذلك، تشكلت شبكة واسعة من المؤسسات والمراكز البحثية والمجالس الدولية التي وضعت الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في قلب نشاطها البحثي والفكري.

وفي هذه الخريطة يبرز اسم محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، بوصفه واحدًا من الشخصيات التي أولت ملف الإخوان وتحولات التنظيم وانقساماته اهتمامًا واضحًا.

لكن الوثائق التي حصل عليها التحقيق تفتح بابًا يتجاوز ما هو منشور في الكتب والمؤتمرات والأبحاث، إلى أسئلة حول طبيعة العلاقات التي أقيمت مع شخصيات من داخل البيئة الإخوانية نفسها، وما إذا كان بعضها قد تجاوز الحوار والبحث إلى الدعم المالي وعروض التعاون والانتقال إلى الإمارات.

وهنا تبدأ القصة.

البشاري.. الإسلام السياسي في قلب الاهتمام

شغل محمد البشاري موقع الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، وبرز اسمه في العديد من الأنشطة والمؤتمرات المتعلقة بقضايا المسلمين في الغرب، والتطرف والإسلام السياسي ومستقبل المؤسسات الإسلامية.

ولم يكن اهتمامه بجماعة الإخوان مجرد اهتمام عابر.

ففي عام 2022 صدر كتاب «الإخوان من السلطة إلى الانقسام.. أزمة تنظيم أم تنظيم أزمة » لمحمد البشاري 

والكتاب نفسه يقدم مؤشرًا مهمًا لفهم زاوية اهتمام البشاري؛ إذ تناول بالتفصيل الانقسامات التي أصابت التنظيم والصراع بين جبهاته المختلفة، ولا سيما الصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول.

وفي كتاباته عن نتائج هذه الانقسامات، ذهب البشاري إلى أن تصدع الجماعة الأم يمكن أن ينعكس على التنظيم الدولي وفروعه، بل قد يدفع قيادات داخله إلى إعلان الانشقاق عنه.

إذن، الانقسام داخل الإخوان كان حاضرًا بوضوح في قراءة البشاري لمستقبل التنظيم.

لكن السؤال الذي تطرحه وثائقنا مختلف:

هل ظل هذا الاهتمام في حدود الدراسة والرصد؟

المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.. بناء مرجعية أخرى

تأسس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة في أبوظبي عام 2018.

ومنذ انطلاقه، قدم نفسه في إطار الاهتمام بأوضاع المجتمعات المسلمة وتعزيز اندماجها في دولها ومواجهة التطرف وخطابات الإسلام السياسي.

لكن ظهور المجلس جاء أيضًا في لحظة كانت فيها خريطة المؤسسات الإسلامية العابرة للحدود تشهد تغيرًا كبيرًا.

فعلى الجانب الآخر كان هناك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي ارتبط تاريخيًا بالشيخ يوسف القرضاوي، ثم تولى أحمد الريسوني رئاسته عام 2018 بعد القرضاوي.

وبالتالي أصبح المشهد أمام نموذجين مختلفين في المرجعية والخطاب وشبكات العلاقات الدولية.

ولا توجد، بحسب ما تمكنا من إثباته من المصادر المفتوحة، وثيقة تسمح لنا بالقول إن المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة تأسس رسميًا بهدف «القضاء» على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

لكن من الممكن رصد منافسة واضحة على النفوذ والتمثيل والخطاب الديني الدولي.

وهنا يصبح السؤال:

هل كان الهدف فقط تقديم خطاب إسلامي مختلف، أم بناء شبكة بديلة قادرة بمرور الوقت على سحب النفوذ من المؤسسات والشخصيات المحسوبة على تيار الإخوان؟

شبكة المراكز البحثية.. وتريندز

بالتوازي مع ذلك، يبرز مركز تريندز للبحوث والاستشارات باعتباره أحد المراكز الإماراتية التي خصصت مساحة كبيرة لدراسة الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة.

ومن بين الباحثين العاملين بصورة معلنة في هذه المساحة علي بكر، الذي يعرّفه المركز رسميًا باعتباره باحثًا رئيسيًا في قسم الإسلام السياسي ومتخصصًا في شؤون الحركات المتطرفة.

وتشير سيرته المنشورة بواسطة تريندز إلى عمله السابق في مؤسسة الأهرام بالقاهرة ومركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي والمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

وبالتالي فنحن أمام بنية بحثية حقيقية ومعلنة تتابع التنظيمات والحركات الإسلامية وتنتج دراسات وتقديرات عنها.

أما الادعاءات المتعلقة بجمع «معلومات خاصة» عن أشخاص بعينهم، أو وجود تكليفات غير بحثية، فلا ينبغي خلطها بالنشاط المعلن للمركز دون وثائق مباشرة تثبت ذلك.

من دراسة الإخوان إلى تجنيد شخصيات إخوانية بارزة

هنا تنتقل قصة التحقيق من المصادر المفتوحة إلى الوثائق الخاصة التي حصلنا عليها.

فالوثائق، وفق قراءتنا لها، تشير إلى وجود علاقات واتصالات بين محمد البشاري وشخصيات محسوبة على البيئة الإخوانية أو قريبة منها.

ولا تكمن أهمية ذلك في مجرد حدوث اتصال.

فباحث متخصص في الإسلام السياسي من الطبيعي أن يتواصل مع شخصيات تنتمي إلى التيارات التي يدرسها.

لكن الأسئلة تبدأ عندما تتضمن العلاقة – وفق الوثائق – أموالًا أو عروض دعم مالي أو عروضًا للانتقال إلى الإمارات.

«ع.ت».. الشخصية التي تفتح الملف

إحدى أبرز الحالات التي تتناولها الوثائق شخصية سنشير إليها في هذا التحقيق اختصارًا بـ:«ع.ح.ت»

وقد قررنا استخدام الأحرف المختصرة لكونه شخصية مازالت تعمل ولها دور بارز في  البيئة الإعلامية المعارضة، بما في ذلك قناتا الشرق ومكملين ويعد «ع.ت» شخصية أزهرية معروفة، ارتبط اسمها تاريخيًا بالبيئة الإخوانية، كما ظهرت في المشهد الإعلامي المعارض خارج مصر.

والأهمية هنا ليست فقط في هوية الشخصية، وإنما في موقعها وقدرتها على التأثير داخل البيئة الفكرية والتنظيمية المحيطة بالجماعة.

ماذا تقول الوثائق؟

بحسب الوثائق التي حصل عليها التحقيق، قدم محمد البشاري مساعدة مالية لـ«ع.ت» خلال ظرف عائلي طارئ إلي جانب ارساله الدائم لراتب شهري .

وقد اخترنا عمدًا عدم نشر التفاصيل الصحية والعائلية المرتبطة بالواقعة؛ لأنها ليست ضرورية لإثبات جوهر العلاقة.

لكن الوثائق – وفق المادة التي بحوزتنا – تشير إلى أن العلاقة لم تتوقف عند المساعدة الطارئة.

بل امتد الحديث، بحسبها، إلى:

عرض الانتقال إلى دولة الإمارات، وطرح إمكانية توفير دعم أو تمويل مالي بصورة شهرية.

وهنا تصبح المسألة مختلفة وتحتاج إلى تحليل أعمق.

فالمساعدة الإنسانية لشخص يمر بأزمة لا تعني في ذاتها استقطابًا سياسيًا.

كما أن عرض عمل أو دعم مالي لا يثبت وحده وجود مقابل سياسي أو تنظيمي.

لكن عندما توضع هذه الوقائع داخل السياق الأوسع لاهتمام البشاري بانقسامات الإخوان ومستقبل التنظيم، فإنها تطرح سؤالًا مشروعًا للتحقيق:

ماذا كان المطلوب في المقابل؟ «ع.ت» والانقسام داخل الإخوان

تكمن أهمية هذه الشخصية أيضًا في أنها لم تكن بعيدة عن الخلافات التي عصفت بالجماعة،فالمصادر المنشورة توثق مواقف وانتقادات حادة صدرت عن<< ع ت>> تجاه قيادات داخل الإخوان، كما تحدث عن الصراع الداخلي والتنظيمي داخل الجماعة.

وفي كتاباته الأحدث تناول بنفسه ظاهرة الخارجين عن جماعة الإخوان، والاختلافات الفكرية والتنظيمية التي دفعت شخصيات إلى مغادرة التنظيم واتخاذ مسارات أخرى.وهذه الخلفية مهمة للغاية.لأن البشاري، في الجانب الآخر، كان يدرس الانقسام نفسه ويتحدث عن نتائجه المحتملة على التنظيم الدولي للإخوان.

وهنا يلتقي المساران:

شخصية موجودة داخل قلب الخلافات الإخوانية، وباحث ومسؤول مؤسسي يضع انقسامات الجماعة ومستقبلها في قلب اهتمامه.

ثم تأتي الوثائق لتقول إن العلاقة بين الطرفين تضمنت مساعدات وعروضًا مالية.

هل كان الهدف صناعة الانشقاق؟

هذا هو السؤال الأخطر في التحقيق.

لكننا لا نستطيع حتى الآن تقديمه كإجابة.

فالقول إن محمد البشاري دفع أموالًا بهدف صناعة انشقاقات داخل الإخوان يحتاج  تحقق أكثر

أما وجود:

اتصال ← مساعدة مالية ← عرض انتقال إلى الإمارات ← دعم شهري

يمكن أن يكون مهمًا للغاية، لكنه لا يساوي تلقائيًا:

مال مقابل انشقاق.

ولهذا فإن ما نبحث عنه في الوثائق التالية هو الحلقة المفقودة:

هل توجد تكليفات؟ هل توجد طلبات للحصول على معلومات؟ هل توجد مناقشات حول قيادات الجماعة؟ هل طُلب اتخاذ مواقف محددة؟ وهل حدث تحول سياسي أو تنظيمي بعد هذه العروض يمكن ربطه بها بدليل؟

وتطرح هذه الحالة السؤال نفسه:

هل نحن أمام علاقات فردية منفصلة، أم أمام نمط متكرر من بناء العلاقات مع شخصيات قريبة من البيئة الإخوانية؟

المعلومات الخاصة.. الخط الأكثر حساسية

بحسب المصادر والوثائق التي يستند إليها التحقيق، لم تكن كل المواد المتداولة حول ملف الإسلام السياسي – وفق هذه الرواية – مجرد أوراق بحثية أو معلومات منشورة.

فهناك حديث عن «معلومات خاصة تقارير عن أنشطة الإخوان وأحوالهم المادية وأدق تفاصيل عنهم » تتعلق بشخصيات وملفات محل المتابعة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين للغاية.

لم نثبت من المصادر العلنية التي راجعناها أن المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة أو مركز تريندز يديران نشاطًا مؤسسيًا لجمع معلومات خاصة عن أفراد ولكن أثبتت الوثائق وجود تكليف مؤسسي مباشر عبر وسطاء منهم محمد البشاري نفسه 

 

كما أكدت الوثائق  أن  بعض العلاقات مع شخصيات قريبة من الإخوان تُستخدم أيضًا للحصول على معلومات لا يمكن الوصول إليها عبر المصادر المفتوحة تحت غطاء صحفي أو بحثي ؟

الصورة الأكبر.. معركة على النفوذ

إذا وضعنا القطع كلها بجانب بعضها، تظهر أمامنا خريطة تستحق التحقيق.

من جهة، هناك مؤسسات ومراكز بحثية خليجية توسعت في دراسة الإسلام السياسي والإخوان.

ومن جهة ثانية، هناك المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة الذي يسعى إلى بناء شبكة دولية واسعة من المؤسسات والقيادات الإسلامية.

ومن جهة ثالثة، هناك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وشبكة تاريخية من الشخصيات والمؤسسات التي ارتبط بعضها فكريًا أو سياسيًا بالإخوان.

ثم هناك الانقسام الداخلي العميق الذي أصاب جماعة الإخوان نفسها.

والبشاري لم يكن بعيدًا فكريًا عن هذه النقطة؛ فقد شارك في تأليف كتاب كامل حول انتقال الجماعة «من السلطة إلى الانقسام»، بينما تناولت قراءاته أثر الانشقاق على التنظيم الدولي وإمكانية خروج قيادات منه.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي أوسع من قصة تحويل مالي أو علاقة مع شخص واحد.

هل جرت محاولة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بالإخوان من الداخل؟

من «الرصد» إلى «التأثير»

هناك فارق كبير بين أن تدرس انقسامات تنظيم سياسي، وبين أن تتواصل مع أطراف داخله.

وهناك فارق أكبر بين التواصل وبين تقديم المال.

وفارق أكبر مرة أخرى بين تقديم المال الإنساني وبين تقديمه مقابل معلومات أو مواقف أو انشقاقات.

وهذه الحدود تحديدًا هي التي يحاول التحقيق اختبارها.

فالوثائق – أثبتت وجود مساعدات – يجب أن نصفها كمساعدات.

وإذا أثبتت عروض تمويل، نصفها بعروض تمويل.

ولكن الوثائق  تضمنت رسائل واضحة تربط المال بالمعلومات وبالموقف السياسي و تنظيمي، لذلك  يمكن الحديث أنها  عملية استقطاب.

السؤال الذي تقود إليه الوثائق

لسنوات كان محمد البشاري واحدًا من الأصوات التي درست جماعة الإخوان وانقساماتها ومستقبلها.

لكن الوثائق التي حصلنا عليها تفرض سؤالًا جديدًا:

هل كان البشاري مجرد باحث يراقب تفكك الجماعة من الخارج، وخاصة لقربه الشديد من الأمير محمد بن زايد  أم أن شبكة علاقاته امتدت إلى محاولة التأثير في بعض الشخصيات الموجودة داخل البيئة الإخوانية نفسها؟

ومع وجود دعم مالي منتظم لبعض هذه الشخصيات:

فما المقابل؟

هل كان بحثيًا؟

هل كان إعلاميًا؟

هل كان للحصول على معلومات؟

هل كان لبناء نفوذ؟

أم أن الأمر لم يتجاوز علاقات شخصية ومساعدات لا علاقة لها بالصراع داخل الجماعة؟

الإجابة لا ينبغي أن تأتي من التكهنات.

الوثائق هي التي يجب أن تجيب.

و سنمنح محمد البشاري والأشخاص والمؤسسات المذكورة في التحقيق حق الرد على الوقائع المحددة المنسوبة إليهم قبل النشر النهائي.

فالهدف ليس إثبات فرضية موضوعة مسبقًا، وإنما الإجابة عن السؤال الذي تطرحه الوثائق:

هل كانت الحرب على نفوذ الإخوان مجرد معركة أفكار ومراكز أبحاث، أم امتدت إلى بناء علاقات ونفوذ وتجسس علي  دوائر الجماعة نفسها؟

 

 

chatgpt image aug 14, 2026, 07 44 18 pm

حق الرد مكفول

تلتزم منصة UAE LEAKS بحق جميع الأشخاص والجهات الواردة أسماؤهم في تحقيقاتها وتقاريرها في الرد والتوضيح والتصحيح، كما ترحب باستقبال أي مستندات أو معلومات موثقة تتعلق بالمواد المنشورة.

للتواصل وإرسال الردود والتوضيحات:

buzayedali4@gmail.com

وسيتم التعامل مع الردود وفقًا للمعايير المهنية والتحريرية، ونشر ما يلزم منها في سياق المادة محل الرد

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *